محمد بن يزيد المبرد
448
المقتضب
وإذا قلت : « ما أحسن زيدا » ! فرددت ذلك إلى نفسك ، قلت : « ما أحسنني » ! لأنّ « أحسن » فعل ، فظهر المفعول بعده ، كما يظهر بعد « ضرب » ، ولو كان اسما ، لظهرت بعده ياء واحدة إذا أراد المتكلّم نفسه . نحو قولك : « هذا غلامي » . وتقول في الاستفهام : « ما أحسن زيد » ، إذا أردت : « أيّ أحسن من زيد ؟ فإذا جعلت المسألة منك ، قلت : « ما أحسني » ؛ كما تقول : « منّ غلامي » ؟ فإنّما يجري المضمر مجرى الظاهر . ألا ترى أنّك إن قلت : « ما أحسن زيد » ، فرددت ذلك إلى نفسك ، قلت : « ما أحسنت » . وتقول : « ما أحسن زيدا ورجلا معه » . ولولا قولك « معه » ، لم يكن للكلام معنى . وذلك إنك إذا قلت : « ما أحسن رجلا » ! فليس هذا ممّا يفيد به السامع شيئا ؛ لأنّه لا يستنكر أن يكون في الناس من هو كذا كثير . ولو قلت : « ما أحسن رجلا من بني فلان » ، أو « رجلا رأيته عندك » ، حتى تقوّيه بشيء يوجد فيه معنى يخرج من باب الإشاعة ، لصلح . وهذا بمنزلة قولك : « كان رجل عاقلا » ، و « إنّ رجلا عاقل » يجوز فيه ما جاز فيهما ، ويمتنع فيه ما امتنع فيهما . * * * وتقول : « ما أحسن إنسانا قام إليه زيد » ! و « ما أقبح بالرجل أن يفعل كذا » ! ف « الرجل » الآن شائع ، وليس التعجّب منه ، وإنّما التعجّب من قولك : « أن يفعل كذا » ، كنحو : « ما أقبح بالرجل أن يشتم الناس » ! تقديره : « ما أقبح شتم الناس بمن فعله من الرجال » ! . ولو قلت : « ما أحسن رجلا إذا طلب ما عنده أعطاه » ! كان هذا الكلام جائزا ، ولم يكن « أحسن » وإن نصب « رجلا » واقعا عليه إنّما هو واقع على فعله . وإنّما جاز أن يوقع التعجّب عليه وهو يريد فعله ؛ لأنّ فعله به كان وهو المحمود عليه في الحقيقة والمذموم ، كقولك : « رأيت زيدا يضرب عمرا » ؛ ثمّ تقول : « رأيت ضرب زيد عمرا » . ف « الضرب » لا يرى ، وإنّما رأيت الفاعل والمفعول به ، ورأيت الفاعل يتحرّك وذلك المتحرّك يدلّ على نوع الحركة ، فأمّا الحركة نفسها ، فلا ترى ، لأن المرئيّ لا يكون إلّا جسما ملوّنا . * * * ولو قلت : « ما أكثر هبتك الدنانير وإطعامك المساكين » ! كنت قد أوقعت التعجّب بالفعل ، واتّصل به التعجّب من كثرة المفعول ، وهو « الطعام » و « الدنانير » التي يهبها . فكأنّك قلت : « ما أكثر الدنانير التي تهبها والطعام الذي تطعمه » ! إن أردت هذا التقدير . وإن أردت أنّ هبته أو طعامه يفعلها كثيرا ، إلّا أنّ ذلك يكون نزرا في كلّ مرّة ، جاز ،